الثلاثاء 20 تشرين الأول 2020

بقرار سياسي: الجيش ينتشر على الحدود!

 
Share

يشكل الجيش اللبناني نقطة التقاء مختلف الاطراف اللبنانية، وقاعدة ثقة مشتركة بين القوى التي تجاهر على المنابر بوقوفها الى جانب هذه المؤسسة ودعمها لتكون الحصن المنيع بوجه الاعداء، في حين تُظهر الاستحقاقات التي واجهها الجيش تقاعس تلك القوى على تأدية مهامها في مساندة المؤسسة وتأمين الغطاء الذي يعطيها هامشا من حرية التحرك لمنع أي اخلال في الامن.

في جردة حساب على هذا التقاعس نلاحظ أن الجيش ولاسيما في السنوات الاخيرة انكفأ ليكون المدافع عن حقوقه والتي حاول البعض سلبها عبر التسويق بأن ميزانية الدولة اللبنانية مثقلة بمصاريف هذه المؤسسة وبأن الجيش يمتنع عن التنازل على قرش واحد، وقد تقصد البعض دعم هذه الفكرة ونشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي لتحريض القطاعات الوظيفية الاخرى على الجيش، قبل أن تبادر القيادة العسكرية الى وضع النقاط على الحروف والجلوس الى جانب النواب في لجنة المال والموازنة ودرس كل الارقام ليصار الى ترشيقها وهذا ما حصل. حتى أن النائب ابراهيم كنعان رئيس اللجنة كان حريصا على هذا الملف بعد أن وجد التيار الوطني الحر نوعا من الغبن الذي قد يلحق بالجيش نتيجة حسابات بعض القوى، ونجح التواصل بين ساحة النجمة واليرزة في تحييد الجيش من سهام التباينات السياسية بين الاطراف.

بعد السابع عشر من تشرين مشى الجيش بين النقاط واضعا أولوية الحفاظ على أمن واستقرار البلد من جهة، والحفاظ على حق المتظاهرين من جهة أخرى وبادر في الاسبوع الاول من انطلاق التظاهرات الى احتواء الموقف وترك المواطنين يعبرون عن صرختهم ووجعهم لاسيما وأن الوضع الاقتصادي كان يزداد سوءا والبلاد تنعطف وبشكل سريع نحو الهاوية. وبدأ من بعدها حملة الاستيعاب معتمدا التقسيم المناطقي مع القوى الامنية منعاً لاي احتكاك ولقطع الطريق أمام أي محاولة لزج المؤسسة العسكرية بالحسابات الطائفية. وعند اللزوم كانت وحدات الجيش تتدخل لمؤازرة القوى الامنية كما حصل في بيروت ومناطق حساسة.

تمكن الجيش من استيعاب الجميع وبقي على مسافة واحدة مع القوى السياسية من جهة وحق المتظاهرين من جهة أخرى، ولم يتأخر بفتح الطرقات الرئيسية التي وضع الخطوط الحمر بوجه كل من يريد اغلاقها.

تعامل الجيش الايجابي رغم بعض الاخطاء في سلوك الافراد أعطى القيادة الزخم الاضافي لمواجهة التحديات، مع علمها بأن الامور لا تزال تحت السيطرة ولكن الاستنزاف الطويل ووضع العنصر في مواجهة أهله لن يكون سهلا على المدى البعيد وفي ظل تردي الاوضاع الاقتصادية وانعكاسها سلباً على العسكريين الذين انخفضت قيمة رواتبهم الى النصف وربما أكثر.

جاء إنفجار المرفأ ليزيد الاعباء على القيادة العسكرية مع تسلمها زمام الامور في المناطق المنكوبة من خلال اعلان حال الطوارئ، وهذه المهمة لم يعتد عليها الجيش منذ ثلاثين سنة، وما زاد الامور تعقيدا الفوضى التي حصلت بعد الانفجار والهلع الذي أصاب الاهالي، فتأخر تنظيم عملية المسح وعمل الجيش على مدار الساعة عبر انشاء غرفة عمليات بهدف احتواء الكارثة والبدء بأسرع وقت ممكن بتقسيم المناطق الى فئات بمشاركة الجمعيات غير الحكومية واعادة تنظيم المناطق المنكوبة، وهو لا يزال يعمل على وضع آلية لاعادة بناء ما تهدم في سباق دائم مع الوقت وتحت ضغط الاهالي الذين فقدوا بيوتهم وينتظرون عودتهم اليها قبل فصل الشتاء، وهذا الامر مستبعدا حتى اليوم لأن الدمار كبير ويحتاج الى سنوات لاعادة اعماره ومع الظروف الصعبة التي يمر بها لبنان يبدو الامر معقدا وأكبر من النوايا الحسنة التي يمتلكها كل عسكري.

ورغم كل هذه المآسي القادر على استيعابها الجيش، ثمة تطور خطير طرأ في الساعات الماضية ويتعلق بالاشكال الذي حصل بين التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية أمام مركز التيار في ميرنا الشالوحي، حيث عادت نغمة "الثمانينات" الى جمهور الحزبين، والمؤسسة العسكرية التي تواجه اعتى أنواع الارهاب بمندرجاته كافة، تقارب ما حصل بقلق كبير، لأن أي تطور ميداني بين الحزبين قد يقودنا الى انزلاق خطير، لا تقتصر تداعياته على جمهور التيار والقوات بل على قطاعات كثيرة داخل الدولة، من هنا كان التدخل السريع على الارض أو في الكواليس مع قيادة كل حزب لسحب المسلحين ومنع تكرار ما حصل لأن القيادة العسكرية لن تسمح بهذا الامر مرة أخرى وستكون حاسمة بذلك تحت سقف السلم الاهلي، لأن اي شرارة قد تطلق من هذه المناطق ستلهب لبنان ولن تقتصر على حزبين.

ويأتي التحذير العسكري على وقع تنشيط الخلايا النائمة من قبل جهات خارجية، وتعتبر خلية أحمد التلاوي في البداوي والتي قتل رئيسها، واحدة من عشرات الخلايا المنتشرة في أكثر من منطقة لبنانية ولا تقتصر فقط على عكار والشمال، ويعمل الجيش على ملاحقتها بالتنسيق مع اجهزة أمنية غربية. وقد عاودت هذه الخلايا نشاطها لاسباب عدة منها ما يتعلق بالصراع الاقليمي وتحديدا التركي الفرنسي في المتوسط، وبتداعيات التطبيع الاسرائيلي مع دول الخليج العربي وانعكاسها على المسار في المنطقة في مواجهة المد الايراني.

كل ذلك يقودنا الى أن المؤسسة العسكرية تواجه اليوم استحقاقا هو الاخطر على مدى عقود، وهي تؤكد أنها على مستوى هذا الامتحان طالما أن خاصرتها الداخلية بخير ومحمية من قبل القوى السياسية التي تمنع أي طعنة خارجية في ظهر المؤسسة، أما الانقلاب على الجيش فيظهر جليا عندما يتحول الى حارس للحدود الداخلية بين المناطق وهذا ما يعمل عليه كل عدو للبنان، وتنصح جهات عسكرية بعدم المساس بهذه المؤسسة ودعمها في الانتشار على طول الحدود الجنوبية ومنع انزلاقها الى الداخل لتكون حرس حدود بين المناطق الحزبية والطائفية.

المصدر : ليبانون فايلز

الأكثر قراءة
أهم الأخبار
اشترك في النشرة الإخبارية المجانية